=
=
قال الدارمي في رده على المريسي: "افتتح هذا المعارض كتابه بكلام نفسه مثنيا بكلام المريسي، مدلسا على الناس بما يهم أن يحكي ويري من قبله من الجهال ومن حواليه من الأغمار، أن مذاهب جهم والمريسي في التوحيد؛ كبعض اختلاف الناس في الإيمان في القول والعمل، والزيادة والنقصان، وكاختلافهم في التشيع والقدر، ونحوها؛ كي لا ينفروا من مذاهب جهم والمريسي أكثر من نفورهم من كلام الشيعة والمرجئة والقدرية.
وقد أخطأ المعارض محجة السبيل، وغلط غلطا كثيرا في التأويل، لما أن هذه الفرق لم يكفرهم العلماء بشيء من اختلافهم، والمريسي وجهم وأصحابهم؛ لم يشك أحد منهم في إكفارهم".
فالدارمي يقول إن أمثال قتادة لم يعتبر الناس قولهم كفرًا بينما أقوال المريسي كفر باتفاق عندهم، وأقوال المريسي نصَّ ابن تيمية في الحموية أن متأخري الأشعرية نصَرُوها.
وأما البخاري ففي خلق أفعال العباد نصَّ على أن قتادة قال إن العرب تثبت القدر في إسلامها وجاهليتها، ونصَّ في الكتاب نفسه على تكفير منكر العلو مما جعل الأشاعرة إلى زمن متأخر يتضايقون من قراءة كتابه هذا كما حصل مع المزي تلميذ ابن تيمية.
وقد نصَّ كلٌّ من أحمد وابن معين والعجلي على أن قتادة لم يكن يُظهِر القول بالقدر بل كان يكتمه، وهذا معناه أنه ما خلَّده في كتاب، فلو كان كتبه في تفسيره لما قالوا ذلك، فلا يقاس عليه أشعري ينشر عقيدته الأشعرية في كتبه.
قال ابن عدي في الكامل: "- حَدثنا ابن أبي عصمة، حَدثنا أَبو طالب، قال: قال أحمد بن حنبل: وكان هشام الدستوائي وقتادة وسعيد يقولون بالقدر، ويكتمونه من أصحاب الحسن".
وكان قتادة يذم عمرو بن عبيد رأس القدرية في زمانه ويثني على أصحاب الحسن، فقارِن هذا بمن إذا ذكر أهل السنة ذكر الأشعرية كما فعل النووي في تهذيب الأسماء واللغات.
قال شيخ الإسلام في بيان تلبيس الجهمية (2/45):
"ولا يقدر أحد أن ينقل عن أحد من سلف الأمة وأئمتها في القرون الثلاثة حرفا واحدا يخالف ذلك لم يقولوا شيئا من عبارات النافية أن الله ليس في السماء والله ليس فوق العرش ولا أنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا أن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء ولا أنه في كل مكان أو أنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه ولا نحو ذلك من العبارات التي تطلقها النفاة لأن يكون فوق العرش لا نصا ولا ظاهرا بل هم مطبقون متفقون على أنه نفسه فوق العرش وعلى ذم من ينكر ذلك بأعظم مما يذم به غيره من أهل البدع مثل القدرية والخوارج والروافض ونحوهم
وإذا كان كذلك فليعلم أن الرازي ونحوه من الجاحدين لأن يكون الله نفسه فوق العالم هم مخالفون لجميع سلف الأمة وأئمتها الذين لهم في الامة لسان صدق..".
فابن تيمية يرى أن السلف ذموا إنكار العلو أكثر من ذمهم للقدرية، ومصداق كلامه عندك أعلاه، فما قيل في ذم القدرية يقع على نفاة العلو من باب أولى، وما قيل في مدحهم أو عذرهم لا يقع على نفاة العلو.
ونصَّ في منهاج السنة على ثلاثة أمور مهمة، وهي أن ما قيل ذم القدرية ينطبق من باب أولى على الجبرية لأنهم أسوأ (والأشعرية عنده جبرية).
وأن أصحاب الكتب الستة ما خرجوا لدعاة بدعة (وهذا يعني أنه يرجح أن قتادة ليس داعية).
وأن جعل المبتدعة أئمة في الدين غلط.
ولو فرضنا أن شخصًا بحث وترجح له أن قتادة ليس قدريًّا أصلًا -كما رجَّح أبو داود وتبعه ابن تيمية- لم يلزمه أن يثبت هذه النتيجة في كل مختلف فيه.