كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

بمناسبة حديث بعض الزنادقة عن تعاليم البوذية ومقارنتها بالإسلام، هذا مقال في (نيو

المصدر
بمناسبة حديث بعض الزنادقة عن تعاليم البوذية ومقارنتها بالإسلام، هذا مقال في (نيويورك تايمز) بعنوان (لماذا نتفاجأ إذا تصرف البوذيون بعنف) للكاتبين دان أرنولد وأليسيا تورنر. فكرة المقال تدور حول أن الناس يتعجبون إذا رأوا البوذيين يتصرفون بعنف، ويقومون بأعمال إبادة جماعية، كالذي يحصل في بورما، لأن التعاليم البوذية تدين العنف بشدة وبكل أحواله. يشير الكاتبان إلى أن هذه ليست أول مرة، فهناك حروب في سيرلانكا دارت بين البوذيين وغيرهم لاعتبارات دينية، وجرى منهم ظلم ظاهر. كلام الكاتبين دار على أن هذا ليس مستغرباً، ففلاسفة البوذية أنفسهم يتفقون على أن التعاليم شيء ولكن التعايش معها عسير جداً. وأقول: مشكلة البوذية ونبذ العنف مطلقاً كمشكلة القيم الليبرالية والإنسانوية، ومشكلة النصرانية (إذا ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر) مثالية لا يمكن تطبيقها؛ فيعيش الناس بأخلاق الغاب، فالنصارى قادوا حملات صليبية وأبادوا المسلمين في الأندلس مع أن المسلمين ما أبادوهم وهم يقرأون (إذا ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر). القيم الإنسانوية المثالية ومثلها البوذية تمهد للوحشية، لأنها تجعل أصحاب الحق ضعفاء جداً، ولا يوجد عندهم فكرة العنف الأخلاقي، أو الجهاد في سبيل الحق، أو الضرورة التي تقدر بقدرها؛ فبمجرد أن يتركوا مثاليتهم ينحلوا. فأنا لو حدثتك عن الولاء والبراء والحب في الله والبغض في الله الذي في الشريعة؛ فأنا أحدثك عن أمر ممكن الوقوع، فيه الجانبان، ولكن إن حدثتك عن محبة كل الناس مع كل اختلافاتهم؛ فأنا في الواقع أقول لك: أحب وأبغض بحسب هواك وعواطفك وشهواتك، لأن محبة جميع الناس مستحيلة، لهذا تجد عبيد الشهوات يرددون دائماً (لا يهمني دينك ولا انتماؤك المهم إنسانيتك)، وترجمتها (المهم مصلحتي منك بحسب نظرتي الشهواتية أو المصلحية). والشأن هو هو عند الحديث عن القيم الإنسانوية الحديثة، هي محلقة ومثالية جداً إلى درجة أن منشئيها وصلوا إلى إقرار قصف الأطفال والنساء بالأسلحة المحرمة تحت ذرائع سخيفة، وقتل الملايين من العزل بحجة حماية الناس من الإرهاب، وإيقاف العمل الخيري وامتهان الكذب الإعلامي والتورع عن قتل القاتل وامتهان قتل الأجنة، وغير ذلك من المفارقات الفظيعة، ومع دعوى انتهاء الرق منظماتهم تنص على وجود الملايين ممن يعيشون في رق أبشع من القديم بسبب الإجراءات الرأسمالية. السبب في ذلك أنهم رفضوا التشريعات الواقعية الحاضرة في النصوص، وظنوا أنهم قادرون على إنتاج عالم مثالي بدون هذه التشريعات (الجهاد، الحدود، الولاء والبراء، الرق)؛ فابتُلوا بما هو أعظم مما هربوا منه، حتى صارت الأخلاقية تساوي المثالية الحالمة التي إن طبقتها في نفسك لم يمكنك إلزام الناس بها ولا الدفاع عنها.