كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

المنظور الإنسانوي الذي طغى على نفوس كثير من الناس حتى المنتسبين للإسلام يفترض إح

المصدر
المنظور الإنسانوي الذي طغى على نفوس كثير من الناس حتى المنتسبين للإسلام يفترض إحسان الظن بالإنسان الناقص ، وإساءة الظن بالإله الكامل وتشريعاته لهذا يرون بعض التشريعات مخالفة للرحمة لأن الإنسان عندهم خير محض وأنه لا يقدم على عقيدة كفرية أو تصرف فيه رذيلة إلا من قناعة وشبهة وهذا التصور الهش تفضحه شواهد الامتحان فالبشر فيهم دواعي خير وفيهم دواعي شر من شهوات ونحوها وقد تغلب على النفس شهوة تمنع من النظر إلى الحق على جهة الإنصاف أو تزرع في النفس كبراً يكون سبباً لبطر الحق ( كما هو الحال في غالب أهل الكفر ) واليوم لو نظرت للناس في شأن مكارم الأخلاق لوجدت عامتهم يحسن القول ولكن إذا جئت إلى التطبيق حالت النوازع النفسية والأمراض والشهوات دون التطبيق السليم ولهذا حتى في السياقات العالمانية تجدهم إذا أرادوا أن يعالجوا ظاهرة سلبية يستخدمون ثلاثة وسائل الأولى : رفع مستوى الوعي بخطورة هذا الأمر ( وهذا ما يقابله الوعظ والتذكير عندنا ) الثانية : وضع تشريعات تحد من انتشار الأمر أو تعاقب عليه ( وهذا نظير الحدود والتعزيرات ولكن ضعفها في السياقات العالمانية معيب وإنما تقوى إذا كانت غرامات مالية في السياقات الرأسمالية ) الثالثة : سد الذرائع إليها وهذا الباب يضعف أداء العالمانيات الليبرالية فيها جداً لأن سداً الذرائع دائماً يقف دونه دعاوى الحرية المطلقة عندهم ولهم في ذلك تخبطات غير أن هذه الاجراءات توحي بأن الإنسان ليس فقط أفكار بل أفكار وشهوات ونوازع وعليه فمن الرحمة به وضع عقوبات تكون في مقابل داعي الشهوة عنده يهدد بها أو يراها تقع في نظيره فيعتبر وعليه فإن سخرية الشخص ممن يقول ( ديننا دين رحمة ) ثم يقر ( العقوبات ) سخرية تافهة ناشئة عن سطحية في التفكير خصوصاً وأن الحدود في الغالب كفارات قال الغزالي في الأسنى :" فجوابك إن الطفل الصغير قد ترق له أمه فتمنعه عن الحجامة والأب العاقل يحمله عليها قهرا والجاهل يظن أن الرحيم هي الأم دون الأب والعاقل يعلم أن إيلام الأب إياه بالحجامة من كمال رحمته وعطفه وتمام شفقته وأن الأم له عدو في صورة صديق فإن الألم القليل إذا كان سببا للذة الكثيرة لم يكن شرا بل كان خيرا والرحيم يريد الخير للمرحوم لا محالة وليس في الوجود شر إلا وفي ضمنه خير لو رفع ذلك الشر لبطل الخير الذي في ضمنه وحصل ببطلانه شرا أعظم من الشر الذي يتضمنه فاليد المتآكلة قطعها شر في الظاهر وفي ضمنه الخير الجزيل وهو سلامة البدن ولو ترك قطع اليد لحصل هلاك البدن ولكان الشر أعظم وقطع اليد لأجل سلامة البدن شر في ضمنه خير ولكن المراد الأول السابق إلى نظر القاطع السلامة التي هي خير محض ثم لما كان السبيل إليه قطع اليد قصد قطع اليد لأجله فكانت السلامة مطلوبة لذاتها أولا والقطع مطلوبا لغيره ثانيا لا لذاته فهما داخلان تحت الإرادة ولكن أحدهما مراد لذاته والآخر مراد لغيره والمراد لذاته قبل المراد لغيره ولأجله قال الله عز وجل سبقت رحمتي غضبي فغضبه إرادته للشر والشر بإرادته ورحمته إرادته للخير والخير بإرادته ولكن إذا أراد الخير للخير نفسه وأراد الشر لا لذاته ولكن لما في ضمنه من الخير فالخير مقضي بالذات والشر مقضي بالعرض وكل بقدر وليس في ذلك ما ينافي الرحمة أصلا" قال ابن_القيم : فمن رحمة الأب بولده : أن يكرهه على التأدب بالعلم والعمل ويشق عليه في ذلك بالضرب وغيره ويمنعه شهوته التي تعود بضرره ومتى أهمل ذلك من ولده كان لقلة رحمته به وإن ظن أنه يرحمه ويرفهه ويريحه فهذه رحمة مقرونة بالجهل ، كرحمة الأم [ إغاثة اللهفان ٢ / ٩١٥ ] =