بين ( العلم ) و ( الإحاطة ) و ( الرؤية ) و ( الإدراك )
بين ( العلم ) و ( الإحاطة ) و ( الرؤية ) و ( الإدراك )
نفاة رؤية الله عز وجل يوم القيامة غالبهم ينطلقون من شبهات فلسفية ولكنهم في هذا المبحث يحاولون التترس بأدلة شرعية وإن كانت عادتهم تأويل النصوص الشرعية وصرفها عن ظاهرها
ولكن بعض الأدلة رأوها تؤيد مذهبهم فتمسكوا بها وأشهر ذلك استدلالهم بقوله تعالى : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار )
يصرون بصرامة على أن الإدراك هو ( الرؤية ) ويوردون على من يفرق بين ( الرؤية ) و ( الإدراك ) الإيرادات ، ويفترضون أن هذه الآية معارضة للنصوص الأخرى من الأحاديث المتواترة الدالة على الرؤية بل والآيات التي استنبط منها العلماء ذلك
ويقولون الآية سيقت سياق التمدح فلا يجوز تخصيصها بزمان دون زمان ( وهذا كلام مناقش ولكن المراد مناقشة الجزء الثاني من الحجة )
وفاتهم أمر هام وفات الكثير من الرادين عليهم ألا وهو أننا متفقون أن الله عز وجل يعلم بذاته وبكمالاته بدليل بحثنا هذا فيما يليق به وما لا يليق من خلال النصوص
ومع ذلك عندنا نص قاطع نؤمن به جميعاً أن الله عز وجل لا يحاط به علماً
قال الله تعالى : ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما )
لم يقل ( لا يعلمونه ) وإنما قال ( ولا يحيطون به علماً )
فلماذا لا تكون الرؤية مثل العلم يوجد منه قدر يتوفر لبعض الناس بحسب تفكرهم ونظرهم في النصوص فكمال الله عز وجل لانهائي فالعلم به لا يقتضي الإحاطة به علماً ، وكذلك الرؤية لا تقتضي (إدراكه بشكل كلي )
ويزداد الأمر وضوحاً إذا قرأت ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ) هذا نظير ( وهو يدرك الأبصار ) وقوله ( ولا يحيطون بشيء من علمه ) هو نظير ( لا تدركه الأبصار ) فالتنصيص على الإحاطة ببعض الشيء كالتنصيص على عدم الإحاطة به كله والتنصيص على عدم الإدراك كالتنصيص على ثبوت ما هو دون ذلك من الرؤية
وهذا المعنى الوارد في قول بني إسرائيل ( إنا لمدركون ) تخوفاً مع أنهم يرون القوم والقوم يرونهم
لهذا مثال أنك تنظر إلى السماء ولا تدركها بتمامها ببصرك مثال سليم ولله المثل الأعلى
فإذا ثبت أنه لا تنافي بين الرؤية وعدم الإدراك كما أنه لا تنافي بين أصل العلم وعدم الإحاطة كان افتراض التعارض بين فهمهم للآية وأخبار الرؤية والنصوص الأخرى في الرؤية أمراً ساقطاً ولا يعول عليه
وكل ما يوردونه من الاعتراضات على فهمنا هذا للإدراك يقع على الإحاطة في العلم ضرورة
بل الإدراك البصري في المخلوقات جائز بالمجموع بالنسبة للأفراد ( يعني شخص يجتمع حوله مجموعة ينظرون إليه فلا يخفى منه شيء عن مجموعهم ) بيد أن الإحاطة بأي فرد علما عسيرة غاية ولو اجتمع الناس فإذا اعترضت بقولك على نفي الكمال في الإدراك بأن بعض المخلوقات لا تدرك فهذا يقع من باب أولى على نفي الإحاطة بالعلم ثم إن هذا كمال في المخلوق الله عز وجل أولى به على ما يليق بجلاله لأن مانح الكمال أولى به على كيفية تليق بأوليته لا يشبه فيها المحدثات
وسبحان الله ماذا لو فسرنا ( الأبصار ) في الآية بأبصار القلوب والعلم كما في قوله تعالى : ( أولي الأيدي والأبصار ) ألا يكون ذلك من جنس تأويل اليد بالنعمة ولا يمكنهم دفعه على أصولهم
وعجبي لا يكاد ينتهي من الإمامية الذين ينفي متأخروهم عن الأنبياء الصغائر حتى قبل النبوة كما قال صاحب البحار :" اذا عرفت هذا فاعلم ان العمدة فيما اختاره أصحابنا من تنزيه الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) من كل ذنب ودناءة ومنقصة قبل النبوة وبعدها قول أئمتنا سلام الله عليهم بذلك المعلوم لنا قطعاً بإجماع أصحابنا رضوان الله عليهم مع تأيده بالنصوص المتظافرة حتى صار ذلك من قبيل الضروريات في مذهب الامامية" ثم يكون حقيقة مذهبهم أن موسى حين قال ( رب أرني أنظر إليك )
كان يسأل الله ما هو سب له إذ كونه مرأياً في مذهبهم مسبة مطلقاً وليس أمراً جائزاً عقلاً ولله حكمة في أن لا يرى في الدنيا وأن رؤيته يفوز بها العباد الأبرار يوم القيامة فحسب ( وإن كان يمكنهم الخروج من المأزق بقولهم أنها مسألة شرعية وليست عقلية ولكنك تعلم أن النصوص لا تعضدهم وأقل ما يقال أن عند خصمهم ظواهر كما عندهم ظواهر وإن كان الأمر ليس كذلك بل خصمهم استعمل النصوص كلها ضربوها ببعضها )