كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

معضلة الوسيلة والغاية!

المصدر
معضلة الوسيلة والغاية! من أهم أسباب الشبهات عند كثير من الشباب أن يفهم الشاب الإسلام فهما مختزلًا وفقًا لتفسير معين للإسلام، ثم يصير يستشكل كل حكم يخالف هذا الفهم. اليوم يوجد قراءات كثيرة للإسلام تجعل من الوسيلة غاية ومن الغاية وسيلة. فمثلًا يوجد التفسير السياسي للإسلام (وهذا أنواع كثيرة) والتفسير الاجتماعي للإسلام والتفسير الحضاري للإسلام والتفسير النفسي للإسلام وغيرها. ما تشترك به هذه التفاسير أنها تأتي لجزء من الإسلام ثم تجعله الإسلام كله وغاية الغايات، هذا الجزء هو من أجزاء الدين، ولكنه وُجِد بقدر، وهو وسيلة للغاية الكبرى وهي عبادة الله عز وجل على ضوء مشاهدة أسمائه وصفاته وآثارها في عامة أبواب الدين، ولكنهم يجاوزون به هذا القدر ويجعلونه الغاية الكبرى، وحقيقة الأمر أنه وسيلة لها. الذي تقوم به هذه الأقسام أنها تجعل الغاية وسيلة والوسيلة غاية، فتصير صلاة الجماعة مثلًا حكمتها الكبرى تنظيم العلاقات الاجتماعية في التفسير الاجتماعي للإسلام، وحكمتها الكبرى التدريب على الحياة السياسية حيث يقرأ الإمام دستور الأمة وإذا أخطأ يصحح له العامة والتدريب على العمل الجماعي في التفسير السياسي للإسلام، وحكمتها الكبرى تعرف الناس على بعضهم البعض وتعرف الأغنياء على الفقراء في التفسير الاقتصادي للإسلام، وهكذا.. وما لا يعقلون له تفسيرًا يصير قضية هامشية وليست أصلية (لهذا تجد من المشتركات بينهم الكلام عن أبحاث العقيدة المحضة مثل الأسماء والصفات بنوع إزراء أو استصغار)، ويُلاحَظ أن عامة التفاسير تتمركز على مصلحة الإنسان الدنيوية الحاضرة. ولا شك أن في الإسلام إصلاحًا للدنيا، ولكن لا تكون هذه الدنيا جنة، وكما أن المرء يزكي ماله فيعطي منه شيئًا للفقراء تعبدًا لله، فكذلك بقية الغايات لها قدر في الشرع لا تتجاوزه، فكل واحد منا له من قصة إبراهيم وابنه الذبيح نصيب بقدره. وهذا كله وسيلة للتقرب لله عز وجل، والدنيا كلها وسيلة للآخرة، ومن لم يعرف الله عز وجل ويتعبد له ويوحده بمقتضى هذه المعرفة فهو خاسر مهما حقق من الإنجازات الدنيوية. وتأمل معي قوله تعالى: "ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا". الشطر الأول من الدعاء يشترك في تمنيه المسلم والكافر، ويراه من يفسر الإسلام تفسيرًا مختزلًا غاية الغايات، وهو أن تقر عين الإنسان بأزواجه وذريته، وإنما تكون له قرة عين بهم إذا رآهم على خير من الدنيا. غير أن الشطر الثاني "واجعلنا للمتقين إمامًا" فرَّق بين المسلم الحق وصاحب التفسير المختزل والكافر. فبيَّن أن الغاية القصوى تحقيق تقوى الله، وأن قرة العين بالأبناء والأزواج أن يراهم المرء على تقوى الله.