كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الآية التي أشارت إلى أهم أصول ومطالب العقيدة

المصدر
الآية التي أشارت إلى أهم أصول ومطالب العقيدة البحث العقدي بين المنتسبين للملة مبني على عدة معطيات.. منها أن الاتباع للنبي ﷺ يتجزأ والناس فيه مراتب. وأن منهم من يؤمن بالوحي بالجملة ولكن لا يصبر على بعض مقتضياته ويكون تسليمه ناقصًا فيمرق من الدين بالكلية أو يبتدع في الدين. ومبني على أن هناك اتباعًا للصحابة، فالصحابة يحضرون في البحث العقدي بصفتهم بابًا من أبواب الهدى وفي باب الإيمان بعدالتهم. ومبني على وجود فرق تتنازع بين إفراط وتفريط ويكون الحق في الغالب بين هذين الباطلين، فكما أن أهل الإسلام توسطوا بين اليهود والنصارى فكذلك أهل السنة توسطوا بين المرجئة والخوارج وبين الجهمية والمشبهة وبين القدرية والجبرية وبين الرافضة والنواصب. ومن أهم ما تنازع به الناس مبحث القدر والحكمة ومبحث منزلة العمل من الإيمان ومبحث الصحابة. قال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم} [البقرة] هذه الآية فيها الإشارة إلى عامة المطالب التي تم ذكرها. فقوله {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} فيه التنبيه على وسطية أهل الإسلام ومثلهم أهل السنة بين أهل البدع. وفيه التنبيه على عدالة الصحابة فقوله: {أمة وسطا} يعني عدولًا. وقوله: {لتكونوا شهداء على الناس} فيه التنبيه على اتباعهم، فجاء ذكر الأصلين أصل اتباعهم وأصل اعتقاد عدالتهم، وهذا بدليل ذكر شهادة الرسول على أمته وإنما جاءت شهادته عليهم لأنه أعلى منهم وهم مأمورون باتباعه فكذلك أوائل هذه الأمة مع أواخرها. وقد أشير لهذا المعنى في حديث: "النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون". رواه مسلم وقوله: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه} ففيه أنه حتى بعد الإيمان الإجمالي بالرسالة هناك اختبارات لأهل الإيمان، وهذا ما زلت به أقدام أهل الأهواء. وذكر الانقلاب على العقبين يذكر بحديث المذادين عن الحوض "إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" ذكر الإحداث والبدع، وفي الخبر "إِنَّهم ارتَدُّوا بعدَكَ على أدبارِهم القَهْقَرَى". وفي الآية التنبيه على مبحث حكمة الله عز وجل وأن ليس كل حكمة نبحثها في المصلحة العائدة على الإنسان، فإن من الأمور ما تكون حكمتها دينية ليميز الله الخبيث من الطيب ويتمايز أهل الإيمان. وقوله: {وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله} فيه وعورة طريق الاتباع وسبب ضلال الناس في استثقالهم الطريق وعدم طلبهم الهداية من الله كما ينبغي. وقوله: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} فيه ردٌّ على المرجئة الذين لا يسمُّون الصلاة إيمانًا، وفيه ردٌّ على الشيعة أيضًا ففيه أن الصحابة الذين سلَّموا إيمانهم عظيم وسماهم الله عدولًا فإذا كان هذا تسليمهم في حال استضعاف أهل الدين وتربص اليهود والمنافقين أتراهم ستضيق صدورهم بوصية لعلي؟ فوالله لنقل الأمر من أبي بكر إلى علي لو كان الرسول ﷺ أمر بذلك أهون عليهم من نقل القبلة إلى قبلة وقد وصفه بالأمر الكبير ومع ذلك كان تسليمهم فوريًّا.